اللي فكرشو التبن يخاف من النار

مهماز الأطلس 🏊 ✏️✏️✏️
جاء في مقولة شعبية"اللي فكرشو التبن يخاف من النار"،
ويعود اصل المقولة إلى حكاية سرقة دبِّرت ليلا كان ضحيتها فلاح يمتلك خروفا، وكان يفترش له التبن، ويطمعه به حتى لا يتسخ صوفه في حال أراد جزّه... وكان الخروف كثير الحركة صعب المنال لمن يريد أن يمسك به... ولابد أنه اعيا السارق حتى يمسك به وسرقه..
فذهب الفلاح إلى شيخ القبيلة يشكو له همه وأمره... فقام الشيخ بجمع اهالي القبيلة لكون كلمته مسموعة بينهم، ولكونهم يبجلونه ويُجِلّونه ولا يرفضون له أمرا...
فنادى فيهم الشيخ بأن هذا الرجل قد سُرِق خروفه، وبأنه لا يعرف من يكون السارق... وأن على السارق إرجاع الخروف وإلا فضحت أمره بين الناس جميعا.
فاستاء أهل القببلة من الفاعل، وبداوا بذمه ووصفه بكل الصفات المذلة المهينة.. فسأله أحد الحاضرين: هل تعرف السارق فعلا؟.. فقال الشيخ: نعم... فقال له: صفه لنا لعلنا نتعرف عليه!..
فقال الشيخ: السارق هو من يغطي ملابسه التبن، لكون التبن عَلِقَ به أثناء عملية السرقة لكثرته في بيت الفلاح، وسأشعل نارا ليظهر بشكل جلي..
فَهَمَّ السارق بتنظيف ثيابه من التبن ظنا منه أنه عَلِقَ به فعلا..
فقال الناس: "اللي فكرشو التبن يخاف من النار"..
فصار المثل مضربا بين الناس لكل من فعل أمرا سوء فيصبح مهووسا بأن يُكتشف أمره، اعتقاد بأن الناس جميعا على علم بفعلته.
ويستخلص من هذه الحكاية ومن هذا المثل، بأنه جاء بصيغة اتهام ضمني وتبريء ذمة في آن واحد... فعند حالة التباس قضية سرقة أو غش أو نفاق أو غيبة أو نميمة وكل ما له علاقة بذات شخص ما، دون التأكد الصريح بكونه الفاعل أو الجاني أو المعني.. فالناس يعتمدون هذه الحيلة لكونهم غير متأكدين من وضع اليد على الجرح، كما يقال تعبيرا عن الدقة والمهارة.
ويحيلنا مثل هذا الموقف على مدى قدرة الإنسان في التنقل من الشك إلى اليقين في قضية ما، حيث تفرز قدرة الشخص الشاك على الاختيار والانتقاء بين النقيضين، فما دام الإنسان الشاك يرفض الانحياز إلى أحد النقيضين، وما دامت لديه القدرة على الاختيار والانتقاء بينهما..
الشك ليس جهلاً، فالشك موقف عقلي واع واتجاه فلسفي يتخذه صاحبه بعد تفكير عميق وتدبر طويل، وبالتالي يجب على الشخص الشاك ألا يقف صامتاً وهو يرفض، وإنما عليه أن يناقش كل الآراء ويفنّدها، ثم ينتقل بعد ذلك إلى نقيضها ويفنّدها أيضاً.
بينما اليقين فهو الإقرار بصحة موقف معين، والتأكد من صواب الأدلة المدعمة لهذا الموقف دون غيره من المواقف الأخرى، وأهم خاصيتين لليقين:
1 - الانحياز الواضح والصريح لأحد مواقف أو أطراف المشكلة، وترجيحه بالأدلة الكافية عن غيره من المواقف والأطراف الأخرى.
2 - القدرة على الاختيار وعلى إثبات صحة أحد النقيضين والانحياز له دون الآخر لكن بالأدلة المدعمة لهذا الانحياز، وبمختلف البراهين الممكنة، أي أن الموقف اليقين يتسم بالحرية في الاختيار. وهذه الخاصية تعود بنا لمطلع هذه التدوينة " اللي فكرشو التبن يخاف من النار" أي أننا بالشك نخطو أولى خطواتنا نحو المعرفة، اليقين شبه التام يشل عقولنا، ويقف بينها وبين التفكير بحرية مطلقة.
أقرب إلى نفس السياق:
"يوما ما ستأتي رياح الحقيقة لتعصف رماد الكذب الذي يغطي وجوههم!"
هي مقولة ذات حكم وعبر وأخرى نتعايش معها يوميا، يتم تداولها من دون الانتباه إلى أننا نُتَبِّلُ كلامنا بخلاصة ما توصل إليه واقع علاقاتنا مع بعض البشر.

تعليقات

المشاركات الشائعة