"كلهم يبكي!.. فمن سرق الحذاء؟!"
فمن يوم انطلاق الدعوات المطالبة بالنزول للشارع رفضا للفساد والفاسدين، والداعية لإسقاط كافة المسؤولين في السلطة المحلية بتلك المدينة-، وبغض النظر عن مدى منطقية المطالب- انطلقت منشورات لناشطين عدة بعضهم مشارك في هذه الاحتجاجات.
الأول يقول:"صح، إنهم كلهم فاسدين.. لكن شهادة لله إن فلان مدير مكتب كذا(!؟!)، أنزه وأشرف مسؤول عرفته المدينة"...
والآخر يكتب ويقول:"للإنصاف، فلان الفلاني يُستثنى من جملة الفاسدين في السلطة المحلية، وإنجازاته شاهدة على كلامي"، وغيره ينشر في ذات المعنى مع تعديل الاسم والصفة، وهكذا ...".
إن كنت مسؤولا، فكخطوة أولى يجب عليك أن تقوم بتأسيس مطبخ إعلامي مستقل بك، المسألة تحتاج لعدد من الأقلام وقليل من البُقش، وماعليك إلا أن تستمتع وتضع رجلا على الأخرى، وأنت تقرأ المديح والثناء وعبارات التنزيه المطولة...
وهو ما انتهجه مسؤلو السلطة المحلية ومدراء المكاتب بتلك المدينة لترويج حملاتهم الدعائية بغرض امتصاص غضب المواطنين، بتضليل وتزييف لم يعد ينطلي على مواطن يفتقر لأبسط الخدمات في المدنية، وهذا ما لوحظ خلال الأيام المتزامنة مع الحملة..
الأغرب من ذلك، أن بعض المسؤولين أنفسهم ساندوا هذه الاحتجاجات، وطالبوا برحيل الفساد، وصرّحوا أن مسألة مكافحته واقعةٌ ضمن أولويات مهامهم!.
إذن، كيف لنا أن نفهم هذه التناقضات العجيبة؟ من تطالب الجماهير برحيلهم باعتبارهم فسدة -اتجهت مساعيهم لإصلاح أوضاعهم الشخصية بدلا من تكثيف الجهود لإصلاح المدينة وأوضاعها التي تتفاقم يوما بعد يوم في ظل جمود كبير لمكاتب السلطة المحلية في تلك المدينة، دون أدنى مبرر- يعلنون تأييدهم لمطالب المواطنين المطالبة برحيلهم!!!.
المواطن اليوم لا يبحث عن مشاريع تنموية على الطراز الأوروبي، ولا يطالب بتوفير المنتجعات السياحية والحدائق الترفيهية وتدشين الاحتفالات والمهرجانات التي تصرف عليها الملايين في مدينته!
اليوم المرضى الذين تعفنت جراحهم وهم ينتظرون تنفيذ المسؤولين وعودهم الكاذبة يطالبون بحقهم المشروع في العلاج، عامل النظافة يطالب بصرف رواتبه المعلقة منذ أشهر، وغيرهم يطالب برحيل فاسدين تصدر قائمتهم المسؤول الأول عن المدينة الذي لا يملك من صفته سوى الصفة ذاتها فقط.
ووجهت هذه المطالبات التي سئم المواطنون النداء بها - دون أن يجدوا أذنا صاغية لها - بحملات دعائية يروجها موالون لمسؤول ما(؟!) تنزّهه وتطهره من دنس الفساد وتصطفيه من جملة الفسدة، ووجهت أيضا بإعلانات المسؤولين ذواتهم الإنتماء لهذه المطالب وتأييدها.
&ما هكذا تورد الإبل!.
وتقول حكاية أخرى، بأنه وفي أول عهده، أراد الخليفة عمر بن عبد العزيز الاستزادة من علم الحسن البصريّ، فطلب لقاء الرجل، وقال له عمر:"بمن أستعين على الحكم يا حسن؟".
قال البصري:"يا أمير المؤمنين، أما أهل الدنيا فلا حاجة لك بهم، وأما أهل الدين فلا حاجة لهم بك".
تعجب الخليفة من رده، فقال له:"فبمن أستعين؟".
قال البصري:"عليك بأهل الشرف، فإن شرفهم يمنعهم عن الخيانة".
هكذا يكون أهل النصح الأمناء، أصحاب الثقافة القائمة على الإسلام الصحيح، الذين لا يبغون مصلحة شخصية من الحاكم، إنما يعملون من أجل الأمة والحاكم، لأنهم ليسوا مستفيدين أو سعاة إلى الثروة، ولا يعملون على إثراء الأبناء والأصحاب، وليسوا ممن يُطلقون اللحي ويُقصرون الأثواب لإيهام الناس أنهم أتقياء أنقياء، أصحاب ثقافة "طالبان" و"داعش" و "البلطجة"، فيما هم فاسدون، يستبيحون كل المحرمات، وليسوا مستشارين لنفع النفس.
ما نصح به البصري هو ألا تكون الإدارة مفصلة على مقاسات الأحبة والأصحاب، والمقربين... وأن الدولة ليست عبارة عن لجان للرقابة والنزاهة، فسرعان ما تزكم رائحة فسادها أنوف الجميع... ولا فيها دواوين وهيئات تهدر المال بحجة الإصلاح فيما هو يبدأ من النفس، ولا يحتاج إلى رقيب، بل إلى شرفاء يمنعهم شرفهم من خيانة الأمانة.
لا يكون بينهم من يتشدق بحفظ الحقوق، فيما هو يغمط الآخرين حقوقهم، ولا يتورعون عن التدليس بالعدالة الاجتماعية لنيل مآربهم الدنيئة.
لذا حين قال الحسن البصري هذا الكلام إلى مَنْ وُصف تاريخياً بالخليفة الراشد الخامس، إنما كان يسعى إلى ما انتهت إليه دولة عمر بن عبدالعزيز، وليس بكتبة ومحصلي ديون لمفرطين بأموالهم، فتصبح مؤسسات الدولة عاملة عند هؤلاء.
تلك الدولة التي لاتزال مثالاً إلى اليوم على العدل والإنصاف، لم يسع قادتها إلى تشكيل دولة عميقة تحل محل المؤسسات، وتمارس كل ما يمكن أن يؤدي إلى خلق الشقاق بين الحاكم والرعية، لهذا ازدهرت، وفاضت أموالها حتى لم يَبْقَ فيها فقير.
إن العدالة الاجتماعية تقضي بإعطاء المستحق وغير المستحق، فهناك في الدولة من يسعون إلى رفع مستوى الغضب الشعبي، ويعملون على حصر كل شيء بأيديهم تحت شعار "حرية الاقتصاد والديمقراطية"، فيما الحقيقة غير ذلك.
✓خلاصة: عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب نخبة وليس لحساب أمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة.
& حكاية قصيرة أخرى تقول:'فيل سرق كيس سكّر ونملة سرقت حبّة سكّر....سرعان ما ألقي القبض على النّملة، أمّا الفيل فوزنه ساعده على الاختباء!".
ما دمت في بلدان العرب فلا تستغرب!؟؟
@وفي رواية أخرى جاء ما في الصورة رفقته:




👍👍👍👍👍
ردحذف