القطيع البشري المتزلف والقيادة الجاهلة الى الهاوية!

 
مهماز الأطلس🏊✏️✏️

في تجربة أجريت في غرفة الانتظار بأحد العيادات، حيث كان بالغرفة عشرة أفراد تابعين لفريق البحث وعند مجيء أول مريض أخذت صافرة تُطلق بشكل دوري في المكان، وعند سماع صوت الصافرة كان العشرة أفراد يقفون ثم يجلسون مرة أخرى ويكررون هذا في كل مرة يصدر الصوت وبمراقبة الشخص الذي لا يعرف شيئا عن التجربة وجدوا أنه في البداية لم يتأثر بما يفعله الباقون، ولكن بداية من تكرار الموقف للمرة الثالثة أخذ يفعل كما يفعل البقية دون أن يعلم لما يفعلون هذا أو لمَ يفعل هو هذا، ثم بدأ أفراد البحث يخرجون من الغرفة واحدا تلو الآخر مع الحفاظ على إطلاق الصافرة في موعد محدد إلى أن خرج فريق البحث كله من الغرفة، ولم يتبق سوى المريض، وبمراقبته وجدوه يقف عند سماع الصوت حتى وهو بمفرده، ثم دخل مريض آخر إلى الغرفة وعند إطلاق الصافرة وجد الشخص الأول يقف ولما سأله عن سبب ما يفعله، أجابه بأنه وجد الجميع يفعل ذلك وفي المرة التالية أخذ المريض الجديد يفعل مثله، وهكذا بدأ مرضى آخرون يدخلون للغرفة ويفعلون كما يفعل البقية بالرغم من عدم علمهم السبب فقط لمجرد أن الجميع يفعل هذا، وكأنه شيء واجب عليهم فعله..
دائما ما يختلف تصرف الإنسان في موقف معين إن كان بمفرده عن تصرفه في نفس الموقف إن كان في جماعة، فأثبتت دراسات علم النفس أن الفرد في حالة الجماعة يتأثر بأفكار من حوله فسواء كانت آراؤهم صحيحة أو خاطئة، فكلهم يجتمعون في النهاية على رأي واحد ويكون لهم فكر واحد مهما اختلفت درجات تعليمهم وتنوعت ثقافاتهم.
أي أن الإنسان غالبا ما يتبع سلوك القطيع المحيط به دون النظر هل هذا السلوك صحيح أم خاطئ ودون البحث عن مبررات وعلل لهذا السلوك أو الفكر الذي يتبعه، ولكن إيمانا منه بأن الحق مع الأغلبية، وأنه من غير الممكن ألا تكون الحقيقة في جهد العدد الأكبر، وهو بذلك يلغي إعمال عقله، ويفضل اتباع الجماعة، فالإنسان بطبيعته يشعر بالأمان عندما يجد من حوله يفعلون مثله ويؤمنون بنفس أفكاره ومعتقداته ويشعر بالوحدة حين يكون مختلفا عما حوله، ولكي يتفادى الشعور بالوحدة يلجأ للقطيع.
هي سمة من سمات القيادة الجاهلة في أي مؤسسة أو بالبيت، إذ أنها إذا تحدثت مع مدّعي الثقافة بعمقٍ بعض الشيء، تُفاجأ بتهكمه بمقولة "باركا من الفلسفة". وكأن الفلسفة هي الكفر بعينه! وكأن الفلسفة هي وسيلة لتأخير الشعوب وتدميرها!
لقد سار لسريان القطيع ضمن آفاق النظام الاجتماعي اعتبار، لأنه أكثر حداثة مما نتوقع... داخل الأحزاب قطيع، في النقابات قطيع، في المؤسسات قطيع، في البرلمان قطيع...إلى غير ذلك. هل هذا لغياب الحرية الأصيلة؟ 
ولعله السبب الذي "يدفع مجموعات من البشر لتقليد البعض بصورة لا واعية، تماماً مثلما تفعل الأغنام والطيور"، حيث تبين أن "5 في المائة من البشر يؤثرون على 95 في المائة من توجهات هذه الأغلبية من دون أن تشعر".
القطيع "حشد وظيفي" في إدارة الصراع السياسي والاجتماعي. لعلَّه احتماءٌ بالكتل البشرية على خلفيات شتى...دينية واجتماعية وطائفية وأقلية وقبلية. وبجانبه الآخر يُظهِر ضعف مفهوم "الدولة" في ذهنية مجتمعاتنا الرعوية.
 فرغم عصرنا التكنولوجي المذهل إلاَّ أننا كمغاربة مازلنا جماعات بشرية سائبةً. وإنْ لم تتضح تلك الحقيقة بجلاء (حيث الاندماج أحياناً بين عناصر المجتمع) فإننا نلتصق بأقرب قطيع لنكون فاعلين في الواقع. 
 ماذا اختلف اليوم عن الأمس؟ فعلاً يمكن تعريف الدولة بـ"جهاز رعوي" يدير القطعان أكثر من أي شيء أخر... 
النكاية هي أن الدولة تدرك هذا جيداً، لأنها ابتداء تلعب دور ذاك الراعي المؤلَّه... وتجدد وظائفها على هذا الأساس، بل تحدد هوية مواطنيها وأدوارهم بالنسبة إليه... ومن ثم تتم أدوارها السياسية والأمنية والتعليمية كأنها خدمات لرعايا لا غير... فليس للرعية أن تتحرر بل عليها الطاعة والانتظام في الصفوف... وأثبتت أن قوالب القطيع لا تتفكك مع عصر الديمقراطية السائلة.
عقلية القطيع تطرد المبدعين والمفكرين والأقوياء والشجعان؛ لأنه لا مبدع ولا مفكّر ولا قوي ولا شجاع يرضى بأن يتم تصنيفه مع النمطيين والجهلاء والضعفاء والجبناء… وأمان القطيع أمان وهمي، والطبيعة دائماً ترينا صوراً من ذلك.. ولمن لم يرَ ذلك من قبل فليشاهد قناة "عالم الحيوان"!
ولم يعد بوسع من يستنكرها أن يرفضها أو يتملص منها، لسبب بسيط؛ وهو أنها وفرت للجميع مهرباً لائقاً لتفسير السلوك العام بكل نقائصه، وطريقاً لرفع اللوم عن ممارسات معينة، بحيث لو أنك سألت أحدهم: لماذا فعلت هذا؟ لجاءت الإجابة على الفور: والله، يا أخي، حالي حال الناس!
لماذا بعنا عقولنا بثمن بخس، واشترينا بالغالي عقلية القطيع، حتى أدمنّا الاستسلام والخنوع والذل، فلا ثقافة إلا ثقافة القطيع، ولا فكر إلا فكر القطيع، ولا عقلية إلا عقلية القطيع.. فكِّر بأسلوبك واخرج عن القطيع.
اختلافكم هو سبب إبداعكم، وإبداعكم يقلقهم؛ لذلك يحاولون دائماً ضمكم إلى القطيع.. يغيّبون عقولكم بمخدراتهم، ويجعلونكم نمطيين تفكرون في اتجاه واحد.. لكم الاختيار الآن أو أبداً.. اخرجوا من القطيع، تساءلوا وابحثوا عن كل شيء وأي شيء، كونوا أنتم لتصبحوا أفضل، وإن تغيير عقلية القطيع يحتاج إلى حكماء العقل... وليس حكماء الكراسي.

##تقول رواية:
وفي إحدى التجارب العلمية، طُلب من مجموعات كبيرة، السير في قاعة فسيحة جداً، وأن يكونوا على مسافة ذراع واحدة من الآخرين، شريطة ألا يُسمح لأحد بالتحدث مع أحد ولا حتى إبداء أي إيماءة جسدية.
وتم تزويد مجموعة محددة من المشاركين سراً بمعلومات عن خط سير الرحلة داخل القاعة، ثم تبين أن من لم يكن لديهم معلومات كانوا يسيرون بتلقائية خلف من تم إخبارهم بخط السير.
وفي رواية أخرى:
أجرى "فيليب زيمباردو" (أحد خبراء علم النفس الاجتماعي) تجربةً في عام 1969 أصبحت فيما بعد واحدةً من أشهر التجارب في دراسات علم الجريمة بشكلٍ خاص وفي العلوم الإجتماعية على نحوٍ عام.
فقد قام العالم بترك سيارتين بأبوابٍ مفتوحةٍ ولوحات أرقامٍ مفقودةٍ في منطقتين مختلفتين، إحداها في حيٍّ فقيرٍ والأخرى كانت في حيٍّ غنيٍّ.
بدأ المارة في الحيِّ الفقير بسرقة وتخريب السيارة في بضع دقائق وتمّ تدميرها بالكامل في غضون ثلاثة أيام.
 تطلّب الأمر وقتاً أطول للمارة في المنطقة الغنية لبدء تدمير السيارة ممّا أرغم زمباردو على التدخل بكسر إحدى نوافذ السيارة، فبدأ الناس بكسر المزيد من النوافذ وسرقة السيارة واستغرق الأمر وقتاً مشابهاً للحيِّ الفقير لتحويل السيارة بالكامل إلى خردةٍ في بضعة أيام.
@الخلاصة من الرواية: تتلخّص بأن إهمال معالجة أيّ مشكلةٍ في بيئةٍ ما -بغضّ النظر عن صغر حجمها- سيؤثّر على مواقف الناس وتصرفاتهم تجاه تلك البيئة بشكلٍ سلبيٍّ ممّا يؤدي إلى مشاكل أكثر وأكبر.... والعكس صحيحٌ أيضاً، فمعالجة المشاكل الصغيرة في وقتٍ سريعٍ سيؤدي الى بيئةٍ أفضل وسلوكٍ أحسن...
مما يثير الإهتمام في هذه الدراسات أنّ الأشخاص الذين قاموا بالتخريب المتعمّد للسيارات والمباني لم يكونوا مجرمين، وكان معظمهم من عامّة الناس والمواطنين الملتزمين بالقانون...
 ومع ذلك فإنّ النافذة المكسورة أرسلت رسالةً خفيةً تُوحي بأنّه "لا أحد يهتمّ وعلى الأرجح لا توجد عواقب لإتلاف ما تمّ كسره أصلاً"...
‏العبر تقول: 
"لا تُصحح للأحمق لأنه سيكرهك، لكن صحح للحكيم لأنه سيقدرك."- ✓نجيب محفوظ✓
"أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكر بشكل مختلف، إنهم لا يكرهون رأيه في الحقيقة، ولكن يكرهون جرأة هذا الفرد على امتلاك الشجاعة للتفكير بنفسه ليكون مختلفًا." ✓ آرثر شوبنهاور✓
هكذا ههو حال العديد من الناس خاصة في عوالم المنصات الاجتماعية... على شاكلة قطيع ..
ف ‏"رفقاً بالقلوب، فهي تحمل مالا تعلمون."

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة